الأستاذ غــازي الزعيّم
النظام القانوني للدفع الالكتروني: البطاقة البنكيّة
محاضرة ختم تمرين
السبت 23 أيار (مايو) 2009
الهيئة الوطنيّة للمحامين الفرع الجهوي بتونس
محاضرة ختم تمرين
النظام القانوني للدفع الالكتروني: البطاقة البنكيّة
الأستاذ المحاضر: غــازي الزعيّم
المشرفان على التمرين: الأستاذ نصاف الطنّني و الأستاذ ماهر السنوسي
المؤطّر: الأستاذ حافظ الدغري
السنة القضائية 2008/ 2009
المخطّط
المقدّمة
الجـزء الأول: شروط التمتّع بالدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكية
المبحث الأول: وجوب إنشاء علاقات تعاقدية بين الأطراف المتداخلة في عملية الدفع
الفقرة الأولى: العلاقة بين المنتفع بالبطاقة البنكية والمصدر
الفقرة الثانية: العلاقة بين المصدر والتاجر
الفقرة الثالثة: العلاقة بين المنتفع والتاجر
المبحث الثاني: وجوب احترام الأطراف المتداخلة للالتزامات المحمولة عليهم
الفقرة الأولى: التزامات المصدر
الفقرة الثانية: التزامات المنتفع
الفقرة الثالثة: التزامات التاجر
الجزء الثاني : أثار عمليّة الدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكية
المبحث الأوّل: انقضاء الالتزام بالأداء
الفقرة الأولى: اصدار الاذن بالدفع
الفقرة الثانية: عدم جواز الرجوع في الاذن بالدفع
الفقرة الثالثة: عدم المعارضة بالاحتجاجات
المبحث الثاني: المسؤوليّة التي قد تترتّب عن عملية الدفع بواسطة البطاقات البنكية
الفقرة الأولى: بالنسبة للمنتفع بالبطاقة البنكيّة
الفقرة الثانية: بالنسبة للمصدر والتاجر
الخاتمة
المقدمة
يعتبر الأداء أحد أوجه انقضاء الالتزامات. ومع تطوّر الحياة العصريّة ومتطلّبات الحياة التجاريّة من سرعة كان لا بدّ أن يكون الأداء مرنا وذو فعاليّة ويمثّل انعكاسا طبيعياّ لتطوّر العصر. فظهرت بذلك أنواع مختلفة من البطاقات البلاستيكيّة التي استعملت في مختلف المجالات كوسيلة للدفوعات بدل النقود الحقيقية. هذه البطاقات تمكّن حاملها من الحصول على سلع، خدمات أو أيّ شيء أخر له قيمة ماليّة.
وقد بدأ استخدام البطاقات البنكيّة في منتصف القرن السابق تقريبا، حيث لم يكن الهدف من البطاقة آنذاك إلا الدعاية والمنافسة بين المحلات التجاريّة وتسهيل عمليّة البيع بالثمن المؤجّل أو المقسّط. وكانت العلاقة بين مصدر البطاقة (المحلّ) ومستخدم البطاقة علاقة ثنائيّة فقط، وكانت بطاقة شركة دينارز كلوب "Diners Club" البداية الحقيقيّة لما نعرفه اليوم من بطاقات. وكانت الفكرة الأساسية من البطاقة أن تقوم الشركة بدور الوسيط المالي بين البائع والمشتري حامل البطاقة، وذلك بأن تدفع عن المشتري قيمة البضاعة أو الخدمة التي اشتراها (بعد خصم عمولة يسيرة ) ثمّ ترسل للمشتري فاتورة بالمبلغ بعد مدّة محدّدة فيدفع المشتري كلّ المبلغ. وقد لقيت البطاقة قبولا واسعا جعلها محلّ نظر البنوك التجاريّة التي تريد أن تستفيد من الفكرة.
وكان للبنوك ما أرادت، حين قام بنك أوف أمريكا "Bank of America" بتقديم بطاقة تقوم على نفس الفكرة السابق طرحها مع تعديلات يسيرة، اقتضى بعضها التقدّم التقني وطبيعة صناعة البنوك التجاريّة، وتهافتت البنوك التجاريّة على المشاركة في إصدار هذا النوع من البطاقات. ولمّا كانت المنافسة هي طبيعة الحياة التجاريّة، قامت مجموعة أخرى بإصدار بطاقة مشابهة عرفت فيما بعد بماستركارد ثمّ فيزا.
وبالتدريج ومع التنامي المطّرد في استعمال الحاسوب وتقنيات المعلومات تطوّرت عموما نظرة المجتمع إلى البطاقات كوسيلة للدفع المالي وأخذت بالتحوّل من النظرة المتشكّكة إلى نظرة ايجابيّة واثقة. وفي الوقت ذاته، بدأ اعتماد المجتمع على العملة الورقيّة باعتبارها الوسيلة الوحيدة للدفع المالي بالتراجع. وقد تشكّلت عدّة أنواع من البطاقات إلى جانب بطاقات الدفع كالبطاقات الائتمانية وغيرها... ومن أهمّ التقنيات التي ساعدت على انتشار البطاقة البنكيّة الإمكانات التخزينيّة للشريط المغناطيسي التي كان بإمكانها تخزين معلومات عن حامل البطاقة ورقم حسابه والرقم السرّي الخاص به . ثمّ نتج عن هذا التطوّر ظهور وسائل دفع الكتروني متعدّدة وهو ما يعرف بـ "نظام تحويل الأموال الكترونيّا" وما انفكّ هذا التطوّر ينمو بسرعة فائقة ولم تقتصر البطاقات البنكيّة على النوع العادي بل ظهرت بطاقة بلاستيكيّة تحتوي على خليّة الكترونيّة تخزّن فيها معلومات أكبر من المعلومات التي تخزّن في الشريط المغناطيسي وهي البطاقة الذكيّة "Carte a Puce" .
وفي سياق مواكبة التطوّر في هذا المجال كان للبلاد التونسيّة تجربتها فقد انخرطت في النظام الدولي المتعلّق بـ دينارز كلوب "Diners club" منذ 1987 وصارت تصدر البطاقات البنكيّة استنادا إلى المنشور عدد 42 الصادر عن البنك المركزي التونسي فـي 1 ديسمبر 1986 والذي ينصّ على أن البنوك لهم إصدار منتوجات ماليّة جديدة. إلا أنّ ذلك لم يكن كافيا فقد تمّ تسجيل فراغا تشريعيا في هذه المادّة وفي مجال الدّفع الالكتروني بصفة عامّة مماّ جعل العلاقة التي تنظّم الأطراف المتداخلة في عمليّة الدفع الالكتروني بواسطة البطاقات البنكيّة تخضع إلى العقود فحسب والتي وصفت بأنها عقود إذعان اختلّ من خلالها التوازن في الالتزامات المحمولة على الأطراف. وأمام ما يشهده استعمال البطاقة البنكيّة في تونس بصورة خاصّة ووسائل الدفع الالكتروني بصورة عامّة من انتشار واسع وتقدّم مطّردا فانّه تمّ القيام بعمليّة تأهيل للشبكة المصرفيّة التونسيّة وإعادة هيكلة كاملة وقد تمّ وضع شبكة للمقاصّة المصرفيّة عن بعد ذات تكنولوجيا حديثة بهدف ضمان النجاح للانتقال للاقتصاد اللاّمادي وتدعيم التجارة الالكترونيّة وذلك من خلال اعتماد إستراتيجية وإحداث هياكل على غرار:
كما تولّى المشرّع التونسي في هذا الصدد إصدار مجموعة من القوانين لغرض التنظيم التشريعي لهذا الميدان ومن أهمّها:
إلا أنّ الساحة التشريعيّة بقيت تفتقر إلى قانون خاص يتعلّق بتنظيم عمليّة الدفع الالكتروني . فأحدثت للغرض لجنة لإعداد قانون حول الدفع الالكتروني مكوّنة من ممثلين عن مركز الدراسات القانونيّة والقضائيّة والوزارة الأولى والجمعيّة المهنيّة للبنوك والمؤسسّات الماليّة وشركة نقديات تونس والبنك المركزي ووزارة الخارجيّة والديوان الوطني للبريد ووزارة تكنولوجيات الاتصال والنقل وكان أول اجتماع لها في إطار صياغة مشروع القانون بتاريخ الاثنين 11 أكتوبر 2004 وبعد انتهاء مهامها صدر القانون عدد 51 لسنة 2005 المؤرخ في 27 جوان 2005 والمتعلّق بالتحويل الالكتروني للأموال كما صدر في نفس الإطار قانون المالية لسنة 2005 الذي تعرض في الفصل 75 الى تنقيح الفصل 76 من مجلة المحاسبة العمومية لاعتماد الدفع الإلكتروني ضمن طرق دفع الأداءات والمعاليم والإبراءات العامة.
ولكي يكون تحليل الموضوع دقيقا غير متشعّب لا بدّ من حدود لدراسته ولذلك سوف نتناول بالدرس البطاقة البنكيّة دون غيرها من وسائل الدفع الالكتروني من خلال تناول أهمّ النقاط والجوانب المتعلّقة بنظامها القانوني.
لقد عرّف القانون عـ83ـدد لسنة 2000 المؤرخ في 09 أوت 2000 والمتعلق بالمبادلات والتجارة الإلكترونية وسائل الدفع الالكتروني بفصله الثاني بأنها " الوسيلة التي تمكّن صاحبها من القيام بعمليات الدفع المباشر عن بعد عبر الشبكات العموميّة للاتصالات" وتعتبر في هذا الإطار البطاقات البنكيّة أحد أهمّ وسائل الدفع الالكتروني والتي عرّفها قانون عدد 51 لسنة 2005 المؤرخ في 27 جوان 2005 والمتعلّق بالتحويل الالكتروني للأموال بأنها " كلّ أداة تحويل الكتروني للأموال تكون وظائفها مغناطيسيّة أو ذكيّة" .
إن اتساع نطاق استعمال البطاقة البنكية يفسّر أهمية الموضوع النظرية والعملية إذ أن دراسة النظام القانوني للدفع الالكتروني يحقق نظريا فائدتين أولها أن بحث هذا الموضوع يساهم في تبسيطه واستيضاحه في ذهن رجال القانون بما يحقّق الفائدة المرجوّة، ثانيا أنّ هذا الموضوع يمكننا من الإحاطة بجملة من القوانين المنظّمة له.
أماّ من الناحية العمليّة فلا اختلاف أنّ هذا الموضوع يهمّ رجل الميدان سواء كان قاضيا أو محاميا أو باحثا في مجال القانون عموما.
وما من شكّ أن أول ما يتبادر إلى الذهن لما تلقى على المسامع عبارة النظام القانوني للدفع الالكتروني ويطلب مناّ الجواب أن نقول النظام القانوني للدفع الالكتروني هو وجوب إنشاء علاقات تعاقديّة بين الأطراف المتداخلة في عمليّة الدفع ووجوب احترام هذه الأطراف للالتزامات المحمولة عليها وبهذا نكون قد حدّدنا شروط التمتّع بالدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكيّة ( جزء أوّل) فإذا حدّدنا الشروط تساءلنا عن أثار عمليّة الدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكيّة( جزء ثاني) .
الجزء الأوّل
شروط التمّتع بالدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكيّة
يتعيّن للتمّتع بآلية الدفع الالكتروني بواسطة بطاقة بنكيّة توفّر شرطين جوهريين وهما وجوب نشأة علاقات تعاقدية بين الأطراف المتداخلة في عملية الدفع من جهـة ( مبحث أول) و وجوب احترام هذه الأطراف لالتزامات معيّنة من جهة ثانية (مبحث ثاني) .
المبحث الأول
وجوب إنشاء علاقات تعاقدية بين الأطراف المتداخلة في عملية الدفع يفترض الدفع العادي أو التقليدي علاقة ثنائية بين دائن ومدين مضبوطة بالقواعد القانونية والشروط التعاقدية التي تبيّن الالتزامات المحمولة على كل طرف منهما وكذلك المسؤولية في حال إخلال أحدهما بالتزامه القانوني والتعاقدي، غير أنه في إطار الدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكيّة فانّ العلاقة تكون ثلاثيّة تجمع بين المنتفع بالبطاقة البنكيّة والمصدر والتاجر. وهي الأطراف المتداخلة في آلية استعمال البطاقة البنكيّة في عملية الدفع الالكتروني.
الفقرة الأولى: العلاقة بين مصدر البطاقة والمنتفع بها:
يبدأ إنشاء هذه العلاقة من تاريخ تقديم مطلب الحصول على البطاقة البنكيّة إلى مصالح البنك وتتأكّد من خلال إمضاء عقد بين حامل البطاقة والبنك.
أ- طلب الحصول على البطاقة البنكيّة:
يتمّ الحصول على البطاقة البنكيّة من خلال مطلب يتقدّم به حريف صاحب حساب مفتوح إلى المصلحة المختصة. يتمثّل هـذا المطلب في مطبوعة يتمّ وضعها على ذمّة الحرفاء من قبل البنك و يتعيّن تعميرها بعناية مع تضمين جملة من المعلومات والمعطيات المتعلّقة بشخص طالب الحصول على البطاقة البنكيّة كمهنته وعنوانه والدّخل السنوي.. . وهذه المعلومات والمعطيات المضمّنة بالمطلب يتمّ النظر فيها من قبل البنك. كما يتولىّ البنك بالإضافة إلى ذلك الإطلاع على العمليات المنجزة بحساب طالب الحصول على البطاقة البنكيّة كالتنزيل والتحويل وغير ذلك من العمليات. و بعد الاسترشاد حول الشخص طالب الانتفاع بالبطاقة البنكيّة يكون للبنك سلطة تقديرية في الموافقة على منحه البطاقة أو رفض ذلك . وان وقع الرفض فانّ البنك غير ملزم بتعليل أسباب ذلك. فهل يجوز قانونا أن يرفض البنك منح البطاقة لطالبها.
بالرجوع إلى معاملات البنوك نلاحظ أنها تقوم بإشهار لخدماتها ومنتوجاتها عبر وسائل الإعلام المختلفة الموجّهة للعموم ولجميع الأشخاص أصحاب الحسابات. واستنادا إلى مقتضيات الفصل 32 و33 من مجلة الالتزامات والعقود نتبيّن أن هذا التصرّف المتمثّل في إشهار هذه المنتجات أو الخدمات البنكيّة يعدّ إيجابا. والبطاقة البنكية كوسيلة دفع الكتروني هي أحد المنتوجات البنكية فانّ تم إشهارها ووضعها على ذمّة العموم فانّ ذلك يعتبر إيجابا إذا ما اقترن بقبول الحريف فانه يتعيّن على البنك الالتزام بإيجابها وبالتالي تمكين الحريف من البطاقة البنكية.
فضلا عن ذلك فانّ البنك يعتبر تاجرا في علاقته بالغير ورفضه منح البطاقة البنكيّة بوصفها منتوجا بنكيّا وضع أساسا لتقديمه إلى الحرفاء الذين يطلبونه يشكّل جريمة امتناع عن البيع. إلا أن علاقة البنك بالحريف تعتبر ذات طبيعة خاصّة تخضع في جانب منها إلى العامل الشخصي" intuitus personae " ممّا لا يمكن معه جبر البنك على التعامل مع أيّ شخص دون توّفر هذا العامل. فلئن كان المشرّع قد تدخّل من خلال القانون عـدد 28 لسنة 1996 المؤرّخ في3 أفريل 1996 والمتعلّق بتنقيح المجلّة التجاريّة لإلزام المصارف بفتح حسابات جارية لكل من يرغب في ذلك فانّ تسليم دفاتر الشيكات بقيت تخضع إلى سلطة البنك التقديرية، فيمكن أن يسلّم حريفا دون أخر تبعا لما يراه صالحا اثر استشارة البنك المركزي التونسي. ويمكن قياس تسليم البطاقة البنكيّة على تسليم دفاتر الشيكات وبالتالي فانّ الحصول على البطاقة البنكيّة ليس حقّا مكتسبا لكلّ حريف يقوم بفتح حساب. إلا أنه في الواقع العملي وأمام تطوّر البطاقات البنكيّة والحاجة إلى استعمالها قامت البنوك بتقسيمها إلى أنواع مختلفة حسب نوعية الحرفاء وإمكانياتهم الماديّة وبالتالي عادة ما يمنح البنك حريفه بطاقة بنكيّة متماشية وإمكانياته الماديّة بدل رفض منحه.
وعند موافقة البنك على تسليم البطاقة البنكيّة لطالبها فانه يتعيّن على الطرفين إمضاء عقد محرّر سلفا من قبل البنك على شاكلة عقود الإذعان الإطارية أي أن الحريف لا يمكن له مناقشة بنوده.
ب- إمضاء العقد:
ان العقد الذي يتمّ إبرامه بين المنتفع بالبطاقة البنكيّة والبنك يخضع إلى شروط أصلية وشرط شكلي.
1- الشروط الأصلية:
إن العقد المذكور مثله مثل بقيّة العقود يجب أن تتوفر فيه الشروط الواردة بالفصل 2 من مجلّة الالتزامات والعقود وهي الأهلية والرضا والسبب والموضوع. فعنصر الأهلية ضروري لمنح شخص ما البطاقة البنكيّة باعتبار أن علاقة البنك المصدر بالمنتفع هي علاقة تعاقدية . فالقانون يحجّر على القاصر التعاقد مباشرة لذلك تشترط البنوك عادة من القاصر ترخيصا من الأب حتىّ تمكّنه من فتح حساب . وهذا الترخيص يرتّب مسؤولية الأب أو الوليّ تجاه البنك. كما أنه لا يمكن للمحجور عليهم أن يقوموا بفتح حسابات بنكية مباشرة أو التصرّف فيها إلا بواسطة مقدّم عنهم. وبالتالي لا يمكن لهؤلاء الأشخاص التمتّع بالبطاقة البنكيّة لما قد يترتّب من مسؤولية عند سوء استعمالها.
كذلك بالنسبة للذوات المعنويّة والتي يتم تصنيفها قانونا في حكم القاصر فانّه يتم التعاقد معهم بواسطة ممثلها القانوني، لذلك فانّ البنك يعمل على التأكّد من صحّة وجود الشخص المعنوي ومن صلاحيات ممثّله القانوني.
وبالنسبة لعنصر الرضا فانّه يتعيّن توفّره استنادا إلى الفصل 23 من مجلّة الالتزامات والعقود الذي نصّ على أنه "لا يتمّ الاتفاق إلا بتراضي المتعاقدين على أركان العقد وعلى بقيّة شروطه المباحة التي جعلها المتعاقدين كركن له..." .
أمّا الموضوع فانّه يتمثّل في دفع مبلغ معيّن من المال بواسطة البطاقة في حين أن سبب منح البطاقة البنكيّة يجب أن لا يكون مخالفا للنظام العام والأخلاق الحميدة والقانون وبالتالي يتمثّل في دفع مبلغ مالي معيّن من طرف صاحبها لفائدة تاجر متعاقد.
2- الشرط الشكلي:
يتمثّل هذا الشرط في وجوب الكتب والذي هو عبارة عن عقد محرّر من طرف البنك بصورة مسبقة. فلا يمكن أن يتمّ التعاقد دون أن يكون هناك كتب ، وكلّ بنك يتولىّ تحرير هذا الكتب بطريقة مختلفة ويضمّنه الشروط التي يراها مناسبة.
ويتعيّن على الحريف الذي يرغب في الحصول على البطاقة البنكيّة أن يمضي هذا الكتب بعد قراءته وتعميره دون مناقشة بنوده وهو بذلك كثيرا ما يوصف بكونه عقد إذعان. وبمجرّد الإمضاء يدخل العقد حيّز التنفيذ. يتمّ إبرام هذا العقد عادة لمدّة سنة واحدة قابلة للتجديد بصورة ضمنية وعلى الطرف الذي يرغب في إنهاء العقد أن يعلم الطرف الأخر قبل شهر من تاريخ انتهائه بواسطة وثيقة كتابية أو الكترونية موثوق بها. وفي صورة تجدّد العقد يتولى البنك منح المنتفع بطاقة أخرى لها صلاحية جديدة وتتضمّن رمز سرّي جديد. إلا أنه هناك بعض عقود تكون غير محدّدة المدّة ولا يتمّ الفسخ إلا في صورة إعلام طرف لأخر بواسطة تنبيه يكون في أغلب الأحيان قبل شهرين. وتجدر الملاحظة أن البنك يمكنه أن يمتنع عن تجديد العقد دون حاجة إلى تبرير موقفه تجاه الحريف.
ومن مميّزات هذا العقد أنه يتضمّن عادة شرطا يتعلّق بالسماح للبنك بإدخال تعديلات علي محتواه ويكون ذلك بعد إعلام مسبق للمنتفع ويتمّ منح الحريف بضع أيام للتعبير عن إرادته. و يعدّ سكوته موافقة وقبولا ضمنيّا للشروط الجديدة.
الفقرة الثانية: العلاقة بين المصدر والتاجر
عادة ما يعبّر التاجر عن رغبته في الانخراط بآلية الدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكيّة وفي هذا الصدد يقوم التاجر بتعمير مطلب يتمثّل في مطبوعة معدّة سلفا من طرف البنك يتولّى من خلالها التاجر الراغب في الانخراط بالتعريف بهويته وعنوانه ونوع تجارته... أما بالنسبة للذوات المعنويّة فيتعيّن ذكر شكلها القانوني ومقرها الاجتماعي وموضوعها وهويّة مسيّريها ورقم حسابها البنكي أو البريدي...
وحين تتمّ الموافقة من طرف البنك على مطلب التاجر فانّه يقع إبرام العقد الذي بمقتضاه تنشأ العلاقة والذي يتمّ تحريره من طرف البنك. وليس للتاجر مناقشة بنوده ولذلك يعبّر عنه بعقد إذعان. أما بالنسبة للمؤسسات التجارية الهامّة في السوق فانّ الأمر مختلف كما أنّ التنصيصات والشروط مختلفة بعض الشئ من ذلك مثلا أنه يتمّ صلب العقد الإشارة إلى نقاط البيع التابعة للتاجر وتوزيعها عبر مختلف الجهات وكذلك الأعوان المخصّصين للتعامل مع مركز النقديات بالبنك.
ويكون العقد بين المصدر والتاجر في أغلب الأحيان غير محدّد المدّة مع ذكر إمكانية مراجعته وتعديله من طرف البنك بصورة أحاديّة أو فسخه بعد سبق إعلام فضلا على إمكانية فسخه وجوبا في صورة عدم احترام التاجر لالتزاماته المحمولة عليه أو في صورة إحالة الأصل التجاري أو الإفلاس أو التصفية القضائية ...
ويمكن تكييف العقد الذي يجمع المصدر بالتاجر بأنه عقد قائم على أساس الوكالة بأجر، حيث يعدّ البنك المصدر للبطاقة وكيلا للتاجر في قبض مستحقاته الماليّ المتمثّلة في قيمة المبيعات من حاملي البطاقات وتنزيلها بحسابه.
الفقرة الثالثة: العلاقة بين المنتفع والتاجر
أماّ بخصوص العلاقة بين المنتفع والتاجر فإنها تعدّ مبدئياّ علاقة معاملة تجاريّة كبيع وشراء للسلع والبضائع وتقديم مواد استهلاكية في المطاعم أو علاقة إجارة واستئجار في الفنادق...وغير ذلك من المعاملات اليوميّة، ويحيل حامل البطاقة التاجر على مصدر البطاقلاستيفاء الثمنمن أو الأجرة.
المبحث الثاني
وجوب احترام الأطراف المتداخلة للالتزامات المحمولة عليهم إن الأطراف الثلاثة أي المصدر والمنتفع والتاجر لهم التزامات يتعيّن تنفيذها حتى يتسنّى التمتّع بعملية الدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكيّة. وقد وردت الالتزامات المحمولة على المصدر والمنتفع بكلّ تفاصيلها بالقانون عدد 51 لسنة 2005 المؤرّخ في 27 جوان 2005 والمتعلّق بالتحويل الالكتروني للأموال. أما الالتزامات المحمولة على التاجر فسندها العقد الذي يجمع بين المصدر والتاجر.
الفقرة الأولى: التزامات المصدر
من خلال الالتزامات المحمولة على المصدر يبرز واجب الإعلام . وهذا الواجب يتعلّق بتوفير معلومات قبل إبرام العقد واستعمال الحريف للبطاقة البنكيّة وأخرى بعد إبرام العقد واستعمال البطاقة البنكيّة.
1- قبل إبرام العقد:
يجب على المصدر إعلام المنتفع كتابيّا أو بواسطة وثيقة الكترونيّة موثوق بها بالشروط القانونيّة والتعاقديّة التي تنظّم إصدار البطاقة البنكيّة واستعمالها وذلك قبل إبرام العقد، كما على المصدر بيان السّقف المحدّد للعمليات المسموح بإجرائها وكذلك مجال الحطّ منها كذلك وصف شامل لواجبات المنتفع والمصدر ومسؤوليتهما والمخاطر والاحتياطات المتعلّقة باستعمال البطاقة البنكيّة .
بالإضافة الى ذلك فانّ المصدر يبيّن كيفيّة الاعتراض وإجراءاته وأجاله عند السرقة أو الضياع أو التزوير وأيضا المصاريف المتعلّقة بالبطاقة البنكيّة وخاصّة نسبة الفائدة وطريقة احتسابها فضلا عن شروط المنازعة في العمليات المنجزة وإجراءاتها والعنوان الذي توجّه إليه الاعلامات والاعتراضات. وقد نصّ الفصل 27 من قانون 27 جوان 2005 على وجوب تضمين ذلك بوثيقة مستقلّة توضع على ذمّة العموم بفروع البنوك . إلا أنه في الواقع فانّ البنوك غير ملتزمة بذلك وجميع هذه المعلومات يتم التنصيص عليها بالعقد.
2- بعد إبرام العقد:
يتعيّن على المصدر بعد إبرام العقد أن يمدّ المنتفع بالبطاقة البنكيّة شهريّا و بصورة مجّانية بكشف واضح يحتوي جميع العمليات المنجزة بواسطة البطاقة البنكيّة. ويجب أن يتضمّن الكشف تعريف العمليّة وتاريخها وقيمتها والمبلغ المخصوم من حساب المنتفع ومبلغ المصاريف والعمولات المطبّقة على كلّ عمليّة. كما أن البنك المصدر للبطاقة البنكيّة عليه أن يضمن سرّية الرمز الممنوح للمنتفع وأن يعدّ نظاما خاصاّ يمكّنه من التثبّت من جميع العمليات المنجزة الكترونيّا وأن يحتفظ بكشف عن جميع العمليات لمدّة لا تقل عن 10 سنوات.
كذلك عليه أن يضع على ذمّة المنتفع الوسائل اللاّزمة التي تمكّنه من القيام بالاعلامات والاعتراضات . وأن يتخذ الإجراءات الفوريّة اللاّزمة لمنع استعمال البطاقة البنكيّة موضوع الاعتراض.و يقوم بالتنبيه على المنتفع بكلّ استعمال تعسّفي للبطاقة البنكيّة وتحذيره لوجوب تفادي ذلك.
كما أنّ المصدر له التزامات تجاه التاجر المنخرط بنظام الدفع الآلي للبطاقة البنكيّة وتتمثّل بالأساس في توفير الآلات والتجهيزات اللازمة (الأجهزة الطرفيّة) كـ TPE سواء مجّانا أو على وجه الكراء أو عن طريق البيع أي كلّ حسب العلاقة التعاقديّة التي تجمع بينهما.
كما أنّ البنك ملزم بأجراء التفقّد بخصوص الإذن بالدفع الصادر له كالتأكّد من الإمضاء والمعلومات المتعلّقة بالعمليّة التجارية وتاريخها لأنّ البنك عليه التزام يتمثّل في وجوب خلاص التاجر باعتباره دائنا لحامل البطاقة.
انّ وقوع الخلاص من طرف البنك يختلف باختلاف العقد الذي يجمعه بالحريف. فبالنسبة للعقود التي تخوّل لحامل البطاقة استغلالها في حدود مبلغ مسموح به فانّ البنك يضمن ذلك المبلغ حتّى في صورة عدم توفّر الرصيد. ويكون ذلك بمثابة السلفة أو نوع من القرض لفائدة الحريف . ويحلّ البنك محلّ التاجر في استخلاص الدين وإذا لم يقم الحريف بتنزيل هذا مبلغ فانّ البنك له الرجوع على الحريف.
وإذا لم يتوفّر هذا الضمان فانّ البنك يتولى خلاص دين التاجر إذا ما توفّر الرصيد بحساب المنتفع. وفي صورة عدم توفّر الرصيد فانّ البنك له أن يرفض الخلاص وفي هذه الحالة يتولّى التاجر الرجوع على المنتفع.
وتجدر الملاحظة بخصوص توفّر الرصيد أنّ العبرة بتوفّره في تاريخ إجراء البنك للخصم من حساب المنتفع وتحويل المبلغ إلى حساب التاجر وليس بتاريخ إجراء العمليّة وبالتالي ليس هناك وجه شبه بين استعمال الشيك الذي يعتبر وسيلة خلاص حيني تستوجب توفّر الرصيد في تاريخ تقديم الشيك وبين البطاقة البنكيّة.
كذلك بالنسبة للكمبيالة التي إذا ما تمّ سحبها تنتقل المؤونة من الساحب إلى المستفيد على عكس البطاقة البنكيّة.
وبالتالي إذا كان هناك تزاحم بين الكمبيالة والإذن بالدفع الصادر عن المنتفع بالبطاقة البنكيّة فانّه يسبّق في الخلاص صاحب الكمبيالة.
الفقرة الثانية: التزامات المنتفع
يتعيّن على المنتفع بالبطاقة البنكية أن يستعملها طبقا لما أعدّت له وحسب الشروط القانونيّة والتعاقديّة التي تنظّم تسليمها واستعمالها . كما عليه اتخاذ ما يلزم من الاحتياطات لضمان المحافظة على البطاقة البنكيّة والامتناع عن تدوين الرمز السري للبطاقة بطريقة تسهّل اكتشافه . كما يجب على المنتفع أن يعلم البنك المصدر بالعمليات الخاطئة أو الاخلالات التي تسرّبت للحساب .
بالإضافة إلى ذلك فانّ المنتفع في حال ضياع أو سرقة البطاقة البنكيّة عليه أن يعترض لدى المصدر ، ويجب أن يكون الإعلام بالاعتراض فورا وبواسطة وثيقة كتابية أو الكترونيّة موثوق بها. ذلك أنه قبل وقوع الإعلام فانّ المنتفع يتحمّل التبعات المنجرّة عن استعمال البطاقة البنكيّة من فبل الغير في حدود مبلغ 200 دينار. وبعد وقــوع الإعلام بالاعتراض فانّ المنتفع يخلى مسؤوليته.
كما يتعيّن على المنتفع أن يستعمل البطاقة استعمالا شخصيّا فلا يمكن إعارتها أو أحالتها إلى أيّ شخص. فضلا على ذلك فانّ المنتفع له التزامات ماليّة تتمثّل في دفع عمولات لفائدة البنك يتمّ خصمها مباشرة من الحساب ألياّ. هذه العمولات تتعلّق بتسليم البطاقة باعتبار أن تسليمها ليس مجّانيا . وهناك عمولات توظّف على الاستعمال عند إصدار الأذون بالدفع من طرف حامل البطاقة لفائدة التاجر أو مسدي الخدمة.
الفقرة الثالثة: التزامات التاجر
يجب على التاجر بوصفه منخرطا في آلية الدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكيّة أن يلتزم باحترام طرق استعمال البطاقة كما جاء بعقد انخراطه الممضى مع البنك ويتمثّل دوره بالأساس في إصدار فاتورة بالنسبة لكلّ عمليّة تجاريّة يقوم المنتفع بخلاصها عبر البطاقة البنكيّة. ويجب أن تتضمّن الفاتورة هويّـة المنتفع والتاجر والتاريخ والمبلغ المستحقّ وامضاء حامل البطاقة. وكلّ توليج أو تغيير بهذه الفاتورة يرفض البنك قبولها.
وأمام تطوّر الآلات المستعملة من قبل التجّار المنخرطين والتي تقوم البنوك بتوفيرها فقد أصبحت هناك فواتير يتمّ إصدارها ألياّ دون آلة طابعة ويقع الإمضاء الكترونيّا من خلال مجرّد التنصيص على الرمز السريّ من قبل حامل البطاقة.
وتجدر الملاحظة أنّ البنك يتفصىّ من كلّ مسؤوليّة عندما يطرأ نقص أو خلل على هذه المعطيات الضروريّة. كما أنّ التاجر ملزم بدفع عمولة مترتّبة عن الفواتير المقدّمة إلى البنك للاستخلاص. و يلتزم التاجر تجاه المنتفع بواجب إعلامه أنه منخرط في نظام الدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكيّة وذلك من خلال الإشهار عبر المعلّقات اللاّصقة autocollants ولا يجوز أن يرفض التاجر تسوية معاملة تجاريّة بواسطة الدفع من خلال البطاقة البنكيّة باعتبار أنّ بعض التجّار قد يعمدون في بعض الأحيان كموسم التخفيضات إلى جبر الحرفاء على الدفع نقدا بدل الدفع عبر البطاقة البنكيّة وذلك لتجنّب خصم العمولة من قبل البنك أو لانقضاء الالتزام بسرعة عوض المرور بآلية الدفع الالكتروني ويعدّ هذا التصرّف امتناعا عن البيع باعتبار أن البطاقة البنكيّة هي بالأساس وسيلة خلاص. وقد يتعرّض التاجر إلى التتبّعات وان كان الإجراء المعمول به في الغالب هو فسخ البنك لعقده مع التاجر.
الجزء الثاني
أثار عمليّة الدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكية
إن البطاقة البنكيّة هي وسيلة دفع وهي بذلك تعدّ وسيلة لانقضاء التزام حاملها بأداء الدين الذي في ذمّته تجاه التاجر أو مسدي الخدمة عبر البنك مصدر البطاقة . فالأداء هو أحد أوجه انقضاء الالتزامات كما نصّ على ذلك الفصل 339 من مجلّة الالتزامات العقود( مبحث أوّل) إلا أن الأداء أو الدفع بواسطة البطاقة البنكيّة قد يرتّب مخاطر ومسؤوليات( مبحث ثاني).
المبحث الأوّل:
انقضاء الالتزام بواسطة الدفع
إن عمليّة الدفع تتمّ من خلال إذن بالدفع يصدر عن المنتفع من خلال استعمال البطاقة البنكيّة( الفقرة الأولى). هذا الإذن إذا ما صدر فانّه لا يمكن الرجوع فيه( فقرة ثانية) كما يتميّز بعدم أمكان المعارضة بالاحتجاجات (الفقرة الثالثة).
الفقرة الأولى: إصدار الإذن بالدفع
يتمثّل الإذن بالدفع في أمر يصدره حامل البطاقة البنكيّة للبنك لفائدة التاجر، ويتمّ إثباته من خلال الإمضاء على الفاتورة .هذا الإذن يمثّل جوهر التعامل بواسطة البطاقة البنكية. وأمام غياب تكييف قانوني واضح وصريح للإذن بالدفع فقد حاول عدد من رجال القانون تحديد طبيعته القانونية من خلال المقاربة والقياس بينه وبين الطبيعة القانونيّة لبعض مؤسسات القانون المدني والتجاري.
أ- الإذن بالدفع والكفالة:
حيث أن بعض التفسيرات جنحت إلى اعتبار الإذن بالدفع نوع من الكفالة أي كفالة البنك للمنتفع بالبطاقة البنكيّة (المدين) تجاه التاجر (الدائن)، إلا أنّ هذا التفسير يعتبر في غير طريقه ضرورة أن الدفع عن طريق الكفيل هو دفع بالتبعيّة . ذلك أن الكفيل يؤدّي للدائن ما التزم به المدين إن لم يؤدّه وهو ما اقتضاه الفصل 1478 من مجلّة الالتزامات والعقود.
كما أنّ المدين له أن يواجه الدّائن بما له من أوجه المعارضة حسب الفصل 1501 من مجلّة الالتزامات والعقود. في حين أنه في آلية الدفع بواسطة البطاقة البنكيّة فان البنك ملزم بالأداء بصفة أصليّة وليس تبعيّة فضلا عن أنه لا يمكن له الاحتجاج ضدّ التاجر بأيّ وجه من أوجه المعارضة سواء تعلّقت بأصل الدين أو بذات المدين حامل البطاقة.
ب- الإذن بالدفع والاشتراط لمصلحة الغير:
لقد حاول فريق أخر اعتبارالاذن بالدفع بواسطة البطاقة البنكيّة يدخل ضمن عقد المشارطة موضوع الفصلين 38 و39 من مجلّة الالتزامات والعقود باعتبار أنّ الشخص المشترط يشترط على معاقده دفع مبلغ مالي محدّد لفائدة المستفيد. إلا أنه يتعيّن لتنفيذ الشرط تنفيذ المشترط لالتزاماته ( الفقرة 2 من الفصل 38 من م ا ع) في حين أنّ البنك المصدر لا يمكن له أن يحتجّ ضدّ الدائن المستفيد إذا وقع الإذن بالدفع وهو ملزم بالخلاص حتىّ ولو لم يتوفّر الرصيد. ولكن طبعا في حدود المبلغ المضمون. وبالتالي فانّ الإذن بالدفع ليس له طبيعة الاشتراط لمصلحة الغير.
ج- الإذن بالدفع والإحالة:
اعتبر البعض الأخر أنّ الدفع بواسطة البطاقة البنكيّة يدخل في إطار إحالة الدين . فحامل البطاقة البنكيّة يعتبر المحيل والبنك هو محال عليه والتاجر هو المحال له.
والاحالة بالقانون التونسي استنادا إلى الفصل 234 من مجلّة الالتزامات والعقود تقتضي أنّه على المحال عليه أن يحتجّ على المحال له بجميع أوجه الاحتجاج التي يمكن أن يحتج بها على المحيل. وبالتالي إن ذلك يتعارض تماما مع الدفع بواسطة البطاقة البنكيّة والذي من خصائصه أن البنك ليس له الاحتجاج بأي وجه من أوجه الاحتجاج تجاه التاجر.
د- الإذن بالدفع والوكالة:
ان الوكالة حسب الفصل 1104 من مجلّة الالتزامات والعقود هو التصرّف الذي يقوم به الموكّل لإعطاء الوكيل سلطة للقيام بعمل باسمه. وبالتالي فقد اعتبر أن المنتفع لمّا يستعمل البطاقة البنكيّة يكون قد أعطى توكيلا للبنك وأذن له بخلاص التاجر من خلال الخصم من حسابه وتنزيل مبلغ الدين بحساب التاجر. إلا أن أحد أهمّ مظاهر الوكالة هو الرجوع فيها وهو ما يختلف مع آلية الدفع بواسطة البطاقة البنكيّة الذي يتميّز بعدم جواز الرّجوع في الإذن بالدفع.
الفقرة الثانية: عدم جواز الرجوع في الإذن بالدفع .
ان عدم جواز الرجوع في الإذن بالدفع يعتبر القاعدة المميّزة لآلية الدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكيّة. وقد كان لهذه القاعدة سند تعاقدي ذلك أنّ جميع العقود التي أبرمت بين البنوك مصدري البطاقات البنكية والمنتفعين بها نصّت على هذا المبدأ مخافة أن يعمد حامل البطاقة البنكيّة إلى استعمالها والانتفاع ببضاعة أو خدمة ثمّ يقوم بالرجوع في الإذن من خلال الاتصال بالبنك.
وقد استند من يعتبر أن الإذن بالدفع يعدّ من قبيل الوكالة إلى اعتبار أنّها وكالة لفائدة الغير وليس لفائدة الموكّل والتي لا يمكن الرجوع فيها طبقا للفقرة الثانية من الفصل 1160 من مجلّة الالتزامات والعقود حتّى في صورة وفاة المنتفع أو صيرورته غير أهل للتصرّف عملا بالفقرة 2 من الفصل 1167 من مجلّة الالتزامات والعقود.
وقد تدخّل المشرّع التونسي من خلال قانون 27 جوان 2005 ليتبنىّ هذه القاعدة ووضع ضمانا لحماية التاجر ولاستقرار التعامل بالبطاقة البنكيّة من خلال منع الحريف من النكول وذلك اسوة بالتشاريع الأجنبيّة .
إلا أنه وفي المقابل فقد وضع المشرّع آلية لحماية الحريف في العمليات التجاريّة التي تتمّ عن بعد من خلال الدفع بواسطة البطاقة البنكيّة عبر الانترنت. هذه الأليّة تتمثّل في حق الاسترجاع.
إذ نصّ الفصل 31 من قانون عدد 83 لسنة 2000 المؤرّخ في 9 أوت 2000 أنّه " بقطع النظر عن جبر الضرر لفائدة المستهلك ، يمكن لهذا الأخير إرجاع المنتوج على حالته إذا كان غير مطابق للطلبية أو إذا لم يحترم البائع أجال تسليمه وذلك في أجل عشرة أيام عمل تحتسب بداية من تاريخ التسليم. في هذه الحالة، يتعيّن على البائع إرجاع المبلغ المدفوع والمصاريف الناجمة عن ذلك إلى المستهلك في أجل عشرة أيام عمل من تاريخ إرجاع المنتج".
إلا إن حقّ الاسترجاع أو الاسترداد ليس مطلقا بل أنّه مقيّد بجملة من الشروط والتي أوردها الفصل 32 من نفس القانون فلا يمكن المطالبة بالعدول عن الشراء إذا تعلّق الأمر ببعض المنتجات مثلا كالتي تكون قابلة للتلف أو الفساد لانتهاء مدّة صلاحيتها أو التي لا يمكن إعادة إرسالها أو الصحف والمجلاّت.
انّ ممارسة هذا الحقّ كما تمّ ذكره مضبوط بأجل وهو 10 أيام على عكس القوانين المقارنة كالقانون البلجيكي الذي حدّد الأجل بـ 7 أيام.
وقد نصّ الفصل 30 من قانو 9 أوت 2005 أنّ أجل 10 أياّم تحتسب من تاريخ تسلّمها من فبل المستهلك أو الحريف بالنسبة للبضائع، أماّ بالنسبة للخدمات فبداية من تاريخ إبرام العقد. ويتمّ إعلام بالعدول بواسطة جميع الوسائل.
الفقرة الثالثة: عدم المعارضة بالاحتجاجات
إن هذا المبدأ الذي يتميّز به الدفع الالكتروني بواسطة البطاقة البنكيّة يتعارض تماما مع قاعدة إحالة الدّين في القانون التونسي المستمدّ أساسا من القاعدة القانونيّة العامّة الذي جاء بها الفصل 551 من مجلّة الالتزامات والعقود والذي نصّ على أنه " لا يجوز لشخص أن يمنح غيره أكثر مماّ لنفسه من حقوق " .
قد لا يكون هذا المبدأ في صالح المنتفع بالبطاقة البنكيّة الذي قد يقتني البضاعة من التاجر ويتولّى خلاص ثمنها عن طريق البطاقة البنكيّة وحين يتبيّن أنها غير التي اختارها أو أنّها معيبة فأنّه لا يمكن له إثارة هذا العيب أو الخطأ في المبيع والرجوع في الإذن بالدفع. بالإضافة إلى أنه لا يمكنه معارضة البنك بالدفوعات المتعلّقة عن عمليّة البيع باعتبار أن البنك محمول على خلاص التاجر في قيمة هذه البضاعة التي اقتناها حامل البطاقة.
وبالتالي فانّ التاجر هو الشخص الذي يتمتّع بقاعدة عدم جواز الرجوع في الإذن بالدفع وعدم المعارضة بالاحتجاجات.غير أنّحقّ المنتفع يبقى محفوظا في القيام على التاجر لضمان المبيع طبق أحكام مجلّة الالتزامات والعقود.
المبحث الثاني
المسؤولية التي قد تترتّب عن عملية الدفع الالكتروني بواسطة البطاقات البنكية
الفقرة الأولى: بالنسبة للمنتفع بالبطاقة البنكيّة
أ- في صورة حصول سرقة البطاقة أو ضياعها
كثيرا ما يتعرّض حامل البطاقة البنكيّة إلى سرقة البطاقة أو إلى ضياعها، وقد ينجرّ عن ذلك تبعات خطيرة إذا وقعت في يد شخص متحيّل يتولى استغلالها باعتبارها وسيلة دفع. و يتعيّن على صاحب البطاقة في هذه الحالة أن يكون حريصا على الإعلام عن الضياع أو السرقة وفق إجراءات الاعتراض المشترطة ، وهي أن يكون الإعلام فوريّا وبواسطة وثيقة كتابيّة أو الكترونيّة موثوق بها . وقد قضت المحكمة التجاريّة بباريس . بأنّ حامل البطاقة البنكيّة الذي يتولّى الإعلام بضياع البطاقة بواسطة الهاتف دون تأكيد ذلك بواسطة وثيقة كتابيّة كما هو مفروض يتحمّل المسؤولية كاملة.
وبخصوص أجل الاعتراض فانّ تاريخ القيام بعمليّة الإعلام له أهميّة بالنسبة لتحمّل المسؤوليّة ذلك أن صاحب البطاقة يتخلّص من المسؤوليّة في صورة الاعتراض.
ويتعيّن على صاحب البطاقة أن يقوم بالاعتراض في أجل معقول متناسب ومعدّل استعماله للبطاقة البنكيّة بصورة اعتياديّة . وقد ينصّ على هذا الأجل العقد الذي يربط المنتفع بالبطاقة بالبنك المصدر لها. وكثيرا ما يتمثّل هذا الأجل في يومي عمل من تاريخ الضياع أو السرقة . إلا أن القانون لم يحدّد أجلا للإعلام إذ نصّ الفصل 37 من القانون عدد 83 لسنة 2000 المؤرّخ في 9 أوت 2000 والمتعلّق بالمبادلات والتجارة الالكترونيّة أنه " يجب على صاحب وسيلة الدّفع الالكتروني إعلام مصدرها بضياعها أو سرقتها أو بضياع أو سرقة الوسائل التي تمكّن من استعمالها وكذلك كلّ استعمال مزيّف لها" بالتالي تبقى هذه المسألة غير واضحة على عكس سقف المسؤوليّة التي يتحمّلها صاحب البطاقة البنكيّة في حالة السرقة أو الضياع فبعد أن كان السقف غير محدّد حيث اقتصر الفصل 37 من قانون 9 أوت 2000 على ذكر أنّه " ...يتحمّل، إلى تاريخ أعلام المصدر، نتائج ضياع أو سرقة وسيلة الدّفع أو استعمالها المزيّف من قبل الغير" فقد تدخّل المشرّع بمقتضى قانون 27 جوان 2005 وحدّد سقف المسؤوليّة المنجرّة عن الاستعمال التحيّلي للبطاقة الضائعة أو المسروقة وتمّ ضبطها بـ 200 دينار في حين يتحمّل البنك الباقي ويعتبر ذلك تقاسما للمسؤوليّة بين صاحب البطاقة والبنك.
ب- في صورة الاستعمال التعسّفي : l’ utilisation abusive
انّ استعمال البطاقة البنكيّة أمر سهل ويسير وقد يغري حاملها لاستعمالها ولو في غياب الرصيد بحسابه. كما قد يتجاوز حامل البطاقة البنكيّة السقف المسموح به من طرف البنك المصدر.
ويثير هذا التصرّف إشكالا بخصوص الجزاء المستوجب وذلك في غياب نصّ قانونيا واضحا. فهل أن هذا التصرّف يعدّ تحيّلا أم يعتبر جريمة خيانة مؤتمن أو سرقة.
بالرجوع إلى الفصل 291 من المجلّة الجنائيّة المتعلّق بالتحيّل فانّه ينصّ على أنه " يعاقب بالسجن والخطيّة "..كلّ من استعمل اسما مدلّسا أو صفات غير صحيحة أو التجأ للتحيّل والخزعبلات التي من شأنها إقناع الغير بوجود مشاريع لا أصل لها في الحقيقة أو نفوذ أو اعتماد وهمي أو التي من شأنها بعث الأمل في نجاح غرض من الأغراض ..." نلاحظ أنّه لا ينطبق على صورة الحال وكذلك بالرجوع إلى الفصل 297 من نفس المجلّة فانّه ينصّ على أنه يعاقب بالسجن وبالخطيّة " الإنسان الذي يختلس أو يتلف أو يحاول أن يختلس أو يتلف سندات أو نقودا أو سلعا أو.....لم تسلّم له إلا على وجه الكراء أو الوديعة أو الوكالة أو التوثقة أو الإعارة...." فانّ شروطه لا تنطبق على التصرّف التعسّفي لصاحب البطاقة البنكيّة ونفس الشئ بالنسبة للسرقة وذلك إذا ما رجعنا إلى الفصل 258 من نفس المجلّة.
وبالتالي فانّ البنك المصدر للبطاقة البنكيّة لا يمكن له تتبع المنتفع تتبعا جزائيا إذا ما قام بالتعسّف في استعمال البطاقة البنكيّة. ويمكن في هذه الحالة أن يتولّى البنك القيام على أساس المسؤوليّة العقديّة باعتبار أنّ البنوك تشترط على حرفاها استعمال البطاقة البنكيّة استعمالا في نطاق الاتفاق المسبق دون تجاوز للرصيد المودع بالحساب أو للسقف المسموح نه سلفا . ويعتبر سحب البطاقة من المنتفع الإجراء المعمول نه في صورة الاستعمال التعسّفي فضلا عن إمكانية الرجوع مدنيّا على المنتفع في أداء الأموال المسحوبة دون وجه حقّ مع مطالبته بالفوائض.
ج- في صورة الاستعمال التحيّلي:l’ utilisation frauduleuse إن الاستعمال التحيّلي يقصد به استعمال المنتفع للبطاقة البنكيّة التي فقدت صلاحيتها أو تمّ إلغاؤها أو التي سبق أن قام بالاعتراض عليها بسبب السرقة أو الضياع.
انّ بفضل التقدّم والتطور الذي شهدته "Les terminaux" الآلات التقنيّة للدفع الالكتروني بواسطة البطاقات البنكيّة والمستغلّة لدى التجّار وخاصّة المغازات الكبرى فانّ استعمال البطاقات البنكيّة الملغاة أو التي فقدت صلاحيتها يتمّ حجزها في الحال أليّا.
أمّا إذا ما قام المنتفع باستعمال بطاقة سبق أن اعترض عليها فانّ ذلك يعتبر من أعمال التحيّل الموجب للعقاب الجزائي كذلك الشأن بالنسبة لإدخال تغييرات على البطاقة.
الفقرة الثانية: بالنسبة للمصدر والتاجر
يتعيّن على البنك المصدر للبطاقة البنكيّة قبل انجاز عمليّة الدفع التثبّت من هويّة المنتفع ومن البطاقة . ضرورة أنه يكون مسؤولا في عدّة حالات كأن يتولّى تنفيذ عمليّة لم يعط المنتفع في شأنها إذنا أو أن يقوم بتنفيذ عمليّة مع العلم بزور البطاقة أو بعد سبق الاعتراض بشأنها . كما قد تترتّب مسؤوليّة البنك إذا لم يتولّى تنفيذ عمليّة دفع مأذون بها من طرف المنتفع بالبطاقة البنكيّة أو كان التنفيذ خاطئا.
كذلك يتحمّل البنك المسؤوليّة إذا تبيّن أن هناك ضرر ناتج عن خطأ في الوسائل التقنيّة أو عيب في استعمالها أو في صنع البطاقة البنكيّة في حدّ ذاتها. ولا يعفى البنك المصدر من المسؤوليّة إلا إذا أثبت أن الأمر راجع إلى القوّة القاهرة أو الأمر الطارئ أو إلى خطأ المنتفع.
واذا ما ثبتت المسؤوليّة في جانب البنك المصدر فيجب عليه أن يدفع للمنتفع في أجل لا يتجاوز شهرا من تاريخ إعلامه بالضرر قيمة العمليّة المتنازع فيها والمصاريف وفوائض التأخير المنجرّة عنها وذلك بقطع النظر عن الخسائر الأخرى التي قد تلحق المنتفع.
أمّا بخصوص التاجر فانّ مسؤوليّته تترتّب إذا ما استظهر بفاتورة تتضمّن مبلغا أعلى من مبلغ المضمن من طرف البنك المصدر للبطاقة البنكيّة أو إذا قام بمشاركة المنتفع في التدليس.
الخاتمة
انّ الدّفع بواسطة البطاقة البنكيّة يحقّق عديد المزايا سوى لحامل البطاقة أو للتاجر أوللبنك المصدر. فبالنسبة للحامل تمكّنه من سهولة ويسر الاستخدام ، كما تمنحه الأمان بدل حمل النقود الورقيّة وتفادي السرقة والضياع ، كما أن لحاملها فرصة الحصول على نوع من القرض وتسهيل في الدفع لفترة محدّدة كما تمكّنه من إتمام قضاء حاجته بصفة فوريّة.
أمّا بالنسبة للتاجر فهي تعدّ أقوى ضمان لحقوق البائع ، تساهم في زيادة المبيعات كما أنّها أزاحت عبء متابعة ديون الحرفاء طالما أن العبء يقع على عاتق البنوك .
أمّا بالنسبة للبنك المصدر فانّ العمولات المخصومة من التاجر والحريف والغرامات تعدّ من الأرباح الهامّة التي تتحقّق للبنك.الاّ أنه كما لاستعمال البطاقة البنكيّة مزايا متعدّدة فانّ عيوبها تتمثّل في جملة المخاطر الناجمة عن هذا الاستعمال والتي سبق التعرّض لها والتي ترتّب مسؤوليّة الأطراف المتداخلة في ألية الدفع الالكتروني. هذه العيوب تذوب في جملة المزايا التي تتناما يوما بعد يوم بفضل التطوّر التكنولوجي المطّرد وهو ما حدى بمحافظ البنك المركزي في ملتقى مغاربي متعلّق بتنمية البطاقة المصرفيّة المغاربيّة يومي 8 و9 فيفري 2007 إلى القول في مداخلته بأن سعي الجميع في تونس هو بلوغ هدف بطاقة دفع لكلّ حساب بنكي أو بريدي في حدود سنة 2009. ولان لا يزال الهدف بعيد المنال الاّ أنه يبقى الهدف المنشود.
المراجع
المراجع باللغة العربيّة:
المراجع باللغة الفرنسيّة:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق